كلنا نعرف علي بابا، محدش في الدنيا تقريبا مايعرفش حكايته، وكنزه واللي وصل له..
زمان لو كانت كلماتي الإفتتاحية دي منشورة سنة 1990 ولا 2000 مثلاً أكيد كان هو علي بابا وحيد اللي هييجي في بال القارئ، قاسم والأربعين حرامي والمغارة وافتح يا سمسم ومرجانة، لكن مع الوقت وظهور التقنية والانترنت والحداثة المعاصرة دي اللي هييجي في بالك أول ما تسمع سيرة علي بابا هو علي بابا بتاعهم مش بتاعنا، مش علي بابا الشرقي اللي وصل للثروة بالصدفة ولكن علي بابا العالمي، موقع التجارة الإلكترونية الشهير اللي أسسه الملياردير الصيني ورائد الأعمال المشهور جاك ما.
لم يجد جاك ما كنزاً ولا جالس الأربعين حرامي ولا نادم مرجانة عشان يوصل لشهرته الكونية ولا أن تتحاكى عنه الألسنة وتكتب عنه المواقع وتشير صورته وأقواله الملايين، الرجل اشتغل واشتغل واشتغل وجاب السلم، أو على وجه الدقة جاب الهرم من أسفله، هرم ماسلو.
فاجأ الرجل العالم كله بقرار صادم في نهايات 2018: التخلي عن منصب المدير والرئيس التنفيذي لمجموعته العملاقة، وأعلن عن الإعتزال والتفكير في خطط مثلى لخلافته، الشركة اللي بناها الرجل بتجميع 60 ألف دولار من اصدقاء له من 20 سنة كاملة وكل وجودها في الكون كان مجرد مكتب وكمبيوتر مكتبي بمشتملاته، النمط التجاري اللي احنا متعودين عليه حاليا كان لسه وليد وقتها، انك تدخل على موقع الكتروني وتشتري اللي انت عايزه والسلعة توصلك على بيتك وتحاسب بعد التسليم، لما تشوف مكتب جاك ما كان عامل ازاي سنة 1999 لا يمكن أن تتخيل أن ده وصله لأن تكون قيمة شركته الالكترونية في البورسة 420 مليار دولار!
الواحد مننا محتاج ايه عشان يعيش؟
ياكل ويشرب ويلبس وينام.. صح!
دي أبسط إحتياجات الإنسان اللي بتخليه يكمل في الحياة فسيولوجياً، لكن لما البني آدم مننا يشبع بيطمع، بيفكر في اللي أكتر من الأساسيات دي، يبتدي يفكر في الأمان، أمان المرتب وأمان القوانين والعدل، وبرضه مابيشبعش، أول ما الامان ده يتحقق فسيادتك بتبتدي تقكر فيما هو أعلى.. هنا بييجي الاحتياج للأسرة والقبيلة والعيلة والجماعة وفريق العمل..

ترتقي يا مولانا في درجات اهراماتك وتبقى عاوز تقدير من ذاتك لذاتك، اللي بينعكس على احاسيسك وشعورك انت الشخصي انك تستحق وجدير، هو القرار الذي يأخذه الفرد كموقف تجاه نفسه.
وفي قمة هرم الاحتياجات للسيد ماسلو بيتولد عندك الاحتياج للتعبير عن ذاتك بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتكون عاوز توازن بين قدراتك وبين احتياجات المجتمع اللي حواليك، وهو ده لب الموضوع..

Self Actualization
المصطلح ده هو اللي بيفسر لنا اللي عمله جاك ما، اللي عملوه كتير قبله زي سلمان خان مهندس الكمبيوتر خريج معهد MIT والحاصل على ماجستير ادارة الأعمال من هارفارد، اللي ساب نجاحه في عمله واتجه برضه للتعليم، وابتكر اكاديمية خان للتعلم الالكتروني سنة 2009، واللي ساعده في اطلاقها مبلغ محترم من مؤسس ميكروسوفت: بل جيتس، فمكنش غريب بالنسبالي إن جاك ما برضه اتجه للتعليم لما فكر في تحقيق ذاته، ما شايف إنه مش هيقدر يكون في مستوى ثراء بل جيتس J لكن الأمر مايمنعش إنه يتعلم منه ويجود، يتعلم منه التقاعد وانشاء مؤسسته الخيرية بس هيفرق عن جيتس الانطلاق في مشروعه مبكراً، حان وقت العودة للتدريس، المهنة اللي بدأ بيها حياته وكان دخله الشهري منها 12 دولار رجع لها بعدما وصل حجم ثروته ل 40 مليار دولار سنويا وقيمة علي بابا 400 مليار دولار!

وهو نفس الأمر.. ما فعله دكتور مجدي يعقوب، بروفيسور وجراح القلب العالمي، بعد أن أصبح سير في بريطانيا ووصل لما لم يصل له كثيرون في عالم الطب، عاد لمصر، عاد لأسوان في أقصى جنوب مصر وأسس مستشفى يعالج أمراض القلب بالمجان، يمنح العلم الغزير الذي تعلمه لأطباء مصر الشبان ويمنح فرصًا للعلاج لأبناء مصر في كل مكان، فيه تحقق ذاتي أكتر من كده!

ومن هنا نقدر نعرف إن كنز علي بابا الحقيقي مكنش الياقوت والمرجان والدهب، مكنش ارباح سنوية مليارية ولا قيمة سوقيه ترليونية، الكنز الحقيقي وجده هو في إنه أدرك قيمة التعليم، وإن اللي هو بيعمله ده هو بداية عصر جديد، الكنز الحقيقي إنه طول مشواره الصعب مكنش ناسي حلمه والحاجة اللي بيحبها، ورجع لها .